الشنقيطي
223
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
بين في هذه الآية الكريمة أنه قال لإبليس : أخرج منها في حال كونك مذءوما مدحورا . والمذءوم : المعيب أو الممقوت ، والمدحور : المبعد عن الرحمة ، المطرود ، وأنه أوعده بملء جهنم منه ، وممن تبعه . وأوضح هذا المعنى في آيات أخر كقوله تعالى : قالَ فَالْحَقُّ وَالْحَقَّ أَقُولُ ( 84 ) لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكَ وَمِمَّنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ ( 85 ) [ ص : 84 - 85 ] وقوله : قالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزاؤُكُمْ جَزاءً مَوْفُوراً ( 63 ) وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشارِكْهُمْ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ وَعِدْهُمْ وَما يَعِدُهُمُ الشَّيْطانُ إِلَّا غُرُوراً ( 64 ) [ الإسراء : 63 - 64 ] ، وقوله : فَكُبْكِبُوا فِيها هُمْ وَالْغاوُونَ ( 94 ) وَجُنُودُ إِبْلِيسَ أَجْمَعُونَ ( 95 ) [ الشعراء : 94 - 95 ] إلى غير ذلك من الآيات . قوله تعالى : يا بَنِي آدَمَ لا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطانُ كَما أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ [ 27 ] . حذر تعالى في هذه الآية الكريمة بني آدم أن يفتنهم الشيطان كما فتن أبويهم ، وصرح في موضع آخر . أنه حذر آدم من مكر إبليس قبل أن يقع فيما وقع فيه ، ولم ينجه ذلك التحذير من عدوه وهو قوله تعالى : فَقُلْنا يا آدَمُ إِنَّ هذا عَدُوٌّ لَكَ وَلِزَوْجِكَ فَلا يُخْرِجَنَّكُما مِنَ الْجَنَّةِ فَتَشْقى ( 117 ) [ طه : 117 ] . قوله تعالى : وَإِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا [ 28 ] الآية . ذكر تعالى في هذه الآية الكريمة : أن الكفار إذا فعلوا فاحشة . استدلوا على أنها حق وصواب ، بأنهم وجدوا آباءهم يفعلونها ، وأنهم ما فعلوها ، إلا لأنها صواب ورشد . وبين في موضع آخر : أن هذا واقع من جميع الأمم ، وهو قوله تعالى : وَكَذلِكَ ما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَذِيرٍ إِلَّا قالَ مُتْرَفُوها إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلى آثارِهِمْ مُقْتَدُونَ ( 23 ) [ الزخرف : 23 ] . ورد اللّه عليهم هذا التقليد الأعمى في آيات كثيرة ، كقوله : أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ( 170 ) [ البقرة : 170 ] ، وقوله : أَ وَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ ( 104 ) [ المائدة : 104 ] ، وقوله : قالَ أَ وَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آباءَكُمْ [ الزخرف : 24 ] ، وقوله : إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آباءَهُمْ ضالِّينَ ( 69 ) فَهُمْ عَلى آثارِهِمْ يُهْرَعُونَ ( 70 ) [ الصافات : 69 - 70 ] إلى غير ذلك من الآيات . قوله تعالى : كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ( 29 ) فَرِيقاً هَدى وَفَرِيقاً حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلالَةُ [ 29 - 30 ] . في هذه الآية الكريمة للعلماء وجهان من التفسير : الأول : أن معنى كَما بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ ( 29 ) أي كما سبق لكم في علم اللّه من سعادة أو